محمود بن حمزة الكرماني
58
البرهان في متشابه القرآن
وننبه هنا إلى أن علوم الإعجاز « 1 » هي في حقيقة الأمر العلوم الأساسية للدعوة ولا غنى عنها في كل مجال يراد فيه تجلية عظمة كتاب الله تعالى للعالمين ، وما أودع فيه من أسرار الإعجاز ، وهذه العلوم بعضها تفصيلي وبعضها إجمالى بالنسبة لدلائل الإعجاز فهي ضرورية إذن للعرب ولغيرهم . والعجيب أن هذه العلوم تكاد تندثر ، وخلت الجامعات الإسلامية حاليا من إنشاء أقسام متخصصة لرعاية هذه العلوم ، وهي في الواقع علوم الدعوة الأساسية . خاصة وأن الحاجة إلى هذه العلوم لم تشتد كما حدث في عصرنا هذا . ولعل مرجع خلو خطط الدراسة منها يرجع إلى : * عدم كفاية ما وصلنا من كتب التراث التي تعالج هذه العلوم النادرة . * مع قلة ما وصلنا منها لم يجد هذا القليل العناية اللازمة لنشره . * اشتملت المصنفات في علوم القرآن العظيم على مواد مبعثرة من هذه العلوم وتحتاج إلى جهد ليس بالهين لجمعها ، وهو جهد تنوء بحمله الأجيال ، وهو أشبه بالجهد المطلوب لإنشاء دوائر معارف في كافة فروع المعرفة التي تحملها المصنفات العربية والإسلامية . ولم يبذل في هذا الصدد جهد يذكر أو يشكر . * والأهم من هذا كله عدم وجود وتوافر الراسخين في هذه العلوم في العالم الإسلامي مما يجعل القيام بهذه المهمة متعذرا . * * * رابعا : منهج الكرماني في التصنيف اتخذ الكرماني من التصنيف في المتشابه سلما لبيان دلائل الإعجاز ومدخلا موصلا إلى هذه الغاية الرئيسية التي لم تغب عنه طوال مادة الكتاب . وهذا المسلك قل من يستطيع أن يسلكه من الأئمة الأعلام فضلا عن غيرهم « فإن الأئمة رحمهم الله تعالى قد شرعوا في تصنيفه واقتصروا على ذكر الآية ونظيرها ولم يشتغلوا بذكر وجوهها وعللها والفرق بين الآية ومثلها وهو المشكل الذي لا يقوم بأعبائه إلا من وفقه الله لأدائه » « 2 » وقد برّ الكرماني بوعده فاشتغل بذكر الوجوه والعلل والفروق التي تطلبت وجوه الاختلاف . ولم يشتغل بالتفسير أو التأويل إلا بقدر اتصال ذلك بتوجيه المتشابه إلى هذه الغاية . والكرماني يمنع وجود التكرار المطلق . وكل ما وقع من ألفاظ مشتركة بين اثنين أو أكثر فإن اللفظ المشترك في كل آية يفيد معنى غير الذي يفيده في الآية الأخرى ، مما يحول دون القول بالتكرار . هذا وقد بين في حالات أنواع التشابه الأخرى العلة والحكمة في تخصيص كل آية بما جاء
--> ( 1 ) كلما ذكرنا علوم الأعجاز فإنما نقصد في الحقيقة علوم وجوه الإعجاز . ( 2 ) مقدمة كتاب البرهان وجه 1 / ب .